أبي الفرج الأصفهاني
118
الأغاني
أشعب يسقط الغاضري أخبرني رضوان بن أحمد الصّيدلانيّ ، قال : حدّثنا يوسف بن إبراهيم ، قال : حدّثنا إبراهيم بن المهديّ ، قال : حدّثني عبيدة بن أشعب ، قال : كان الغاضريّ مندر [ 1 ] أهل المدينة ومضحكهم قبل أبي ، فأسقطه أبي واطَّرح ، وكان الغاضريّ حسن الوجه مادّ القامة عبلا فخما ، وكان أبي قصيرا دميما قليل اللَّحم ؛ إلَّا أنّه كان يتضرّم ويتوقّد ذكاء وحدّة وخفّة روح ، وكان الغاضريّ يحسده إلا أنهما متساويان ، وكان الغاضريّ لقيطا منبوذا لا يعرف له أب ، فمرّ يوما - ومعه فتية من قريش - بأبي في المسجد وقد تأذّي بثيابه فنزعها ، وتجرّد وجلس عريانا ، فقال لهم الغاضريّ : أنشدتكم اللَّه هل رأيتم أعجب من هذه الخلقة ! يريد خلقة أبي ، فقال له أبي : إنّ خلقتي لعجيبة ، وأعجب منها أنه زقّني [ 2 ] اثنان فصرت نضوا [ 3 ] ، وزقّك واحد فصرت بختيّا [ 4 ] ، قال : وأهل المدينة يسمون المهلوس [ 5 ] من الفراخ النّضو والمسرول [ 6 ] البختيّ ، فغضب الغاضريّ عند ذلك وشتمه ، فسقط واستبرد ، وترك النوادر بعد ذلك ، وغلب أبي على أهل المدينة واستطابوه ، وكان هذا سببه . أشعب وزياد بن عبد اللَّه الحارثي أخبرني جعفر بن قدامة ، قال : حدّثنا حمّاد بن إسحاق ، عن أبيه ، قال : / كان زياد بن عبد اللَّه الحارثيّ أبخل خلق اللَّه ، فأولم وليمة لطهر بعض أولاده ، وكان النّاس يحضرون ويقدّم الطَّعام فلا يأكلون منه إلا تعلَّلا وتشعّثا [ 7 ] لعلمهم به ، فقدّم فيما قدّم جدي مشويّ فلم يعرض له أحد ، وجعل يردّده على المائدة ثلاثة أيّام والناس يجتنبونه إلى أن انقضت الوليمة ، فأصغى أشعب إلى بعض من كان هناك فقال : امرأته الطَّلاق إن لم يكن هذا الجدي بعد أن ذبح وشوي أطول عمرا وأمدّ حياة منه قبل أن يذبح ، فضحك الرّجل ، وسمعها زياد فتغافل . غضبت سكينة عليه فأمرت بحلق لحيته أخبرني عمّي ، قال : حدّثنا عبد اللَّه بن أبي سعد ، قال : حدّثني محمد بن عبد اللَّه بن مالك ، عن إسحاق ، قال : حدّثني إبراهيم بن المهديّ ، عن عبيدة بن أشعب ، قال : غضبت سكينة على أبي في شيء خالفها فيه فحلفت لتحلقنّ لحيته ، ودعت بالحجّام فقالت له : احلق لحيته ، فقال له الحجّام : انفخ شدقيك حتى أتمكَّن منك ، فقال له : يا بن البظراء ، أمرتك أن تحلق لحيتي أو تعلَّمني الزّمر ! خبّرني عن امرأتك إذا أردت أن تحلق / حرها تنفخ أشداقه ! فغضب الحجّام وحلف ألَّا يحلق لحيته وانصرف ، وبلغ سكينة الخبر وما جرى بينهما فضحكت وعفت عنه .
--> [ 1 ] أندر : أتى بالنوادر من قول أو فعل فهو مندر . [ 2 ] زق الطائر فرخه : أطعمه بفيه . [ 3 ] النضو : المهزول . [ 4 ] البختي : الواحد من الإبل الخراسانية . [ 5 ] هلسه المرض : هزله فهو مهلوس . [ 6 ] حمامة مسرولة : في رجليها ريش كأنه سراويل . [ 7 ] تشعث من الطعام : أكل منه قليلا .